أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
49
نثر الدر في المحاضرات
قلبا وأقربنا بالخطيئة عهدا ، وأشدنا على الذنب إصرارا ، فقال له الخريميّ وكان حاضرا . امرأتي طالق إن كنت أردت غير إبليس . قال : إذا دعت الأعراب لمسافر قالوا : اللهم قو ضعفته ، واحرس غفلته ، وشد منّته ، اللّهمّ اطو عنه غول الأرض وهولها ، وحبّبه إلى أصحابه ، واحمله على ركابه ، سلّم له عصيها وقصبها ، وألق عليه السّخرة والبلاغ ، وادرأ عنه وعنها الأعراض والأمراض ، حتى تؤديه سالما إلى سالمين . كانوا يقولون : نعوذ باللّه من ضربة الجبان ، وضبطة الأعمى ، وبادرة الصّبي ، ودعوة البخيل ، وضرط الرقيب ، ونادرة المجنون ، وذلة العالم . قال أعرابي في دعائه : اللهم ارزقني صحة لا تلهى ، وغنى لا يطغى وسريرة لا فضيحة فيها ولا شنعة ، وعلانية لا رياء تطغى فيها ولا سمعة . سأل رجل من بني كلاب معروف النسب فقال : إني رجل من بلعنبر ، ولي سنّ ، وبي فقر وعندي دعاء وشكر ، وفي إعطائي أجر وذخر . فقيل له : أنت من بني كلاب وتتنسّب إلى بلعنبر قال : إنه مقام خزي ، وهم لنا عدوّ ، فأحببت أن يلحقهم عاره . دعا أعرابي فقال : اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك ، أو أضلّ في هداك ، أو أذلّ في عزّك ، أو أضام في سلطانك ، أو أضطهد والأمر لك . قال سفيان بن عيينة « 1 » : إني لواقف بعرفة وأعرابي إلى جانبي فسمعته يقول : اللهم قد أنضيت ظهري ، وأبعدت مطلبي ، ووقفت ببابك ضارعا خاضعا ، فإن كنت لم تقبل تعبي ونصبي ، فلا تحرمني أجر المصاب على مصابه . فلما قربت الشمس أن تغرب قال : اللّهم عجّت الأصوات بضروب اللّغات ، ليسألونك الحاجات ، وحاجتي إليك أن لا تنساني على طول البكاء إذا نسيني أهل الدنيا .
--> ( 1 ) هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي ، الكوفي ، أبو محمد ، محدث الحرم المكي ، قال عنه الإمام الشافعي : لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز ، كان حافظا ثقة ، وكان أعور ، وحج سبعين سنة ، توفي سنة 198 ه ( الأعلام 3 / 105 ، تذكرة الحفاظ 1 / 242 ، وفيات الأعيان 1 / 210 ) .